تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » وإن عفوت عني لا أغفرها لنفسي – رائعة

وإن عفوت عني لا أغفرها لنفسي – رائعة

والدي ماذا أقول .. هل أعتذر أم أقبل قدميك ..ثلاثين عاماً قضيتها تحت سقف رعايتك , لم تشعرني بالتملل والتضجر جراء الصرف الفاحش على أشيائي الخاصة ورغبتي في مجارات أصدقائي من أصحاب النفوذ والأموال , كنت تنعم لي بكل ما يحلم وما لا يحلم به شاب في عمري , سيارتي كانت مضرب الأمثال , أغلى سيارة في المنطقة , كنت ضعيفاً في مسألة الاستذكار فتحملت أعباء تدريسي على حسابك الخاص , لم تبدي تمللك أو اعتراضك تحملت كل مشكلاتي الصغيرة والكبيرة , كنت أتعمد عصيانك , أفتعل كل مالا ترضاه .. أستمع للأغاني الصاخبة وأعلي صوت مذياع السيارة عند مروري على المرافق العامة , كنت متهورا أعشق السرعة الجنونية التي سببت في أكثر من حادث عرضك لمواقف عديدة صعبة وخسائر مادية فادحة , كنت أسرق أموالا من البعض برغم أنك لا تجعلني بحاجة لهذا الطريق , كنت أعاكس بنات الناس في الأسواق ويصلك الخبر كالسياط تقطع أحشائك, كانت تصرفاتي تحني رأسك خجلا أمام أصدقائك والناس , كنت أحرجك مرارا مع معارفك حين يسألون عن ابنك الوحيد لا يمشي معك , لا يصلي في المسجد , لا يحضر معك في الدعوات والزيارات حتى للأقارب والجيران , هذا هو الظاهر الذي لم يرحمك لكنك لم تكف تنصحني وترشدني للصواب وأنا أجيبك بالعصيان والتمرد, ومن وراء ظهرك يا والدي كنت أظلمك وأقسو عليك أكثر من حسادك في الشارع , كنت أصفك بالبخل وحب المال كنت أتمنى موتك لأرث ما تملك , لم أرحم تزايد الشيب في رأسك وأنت مازلت في الأربعين وملامح قسوة الدهر تجعلك في الستين من العمر لكثر ما عانيت في تربيتي, شتمتك واغتبتك بما ليس فيك أمام أصدقائي الذين كنت أفضلهم عليك وأضعك في آخر القائمة , أصدقائي اللذين تخلو عني عندما منحهم القدر رغد العيش والاستقرار, عندما تزوج كل واحد منهم هجرني وكأني كنت رفيق الطيش وأيام الصبا , أصبحت وحيدا بعدما تخرجت بتعبك وإهمالي بشهادة لا تساوي صفرا في التقدير, لكنك صبرت وتحملت وخففت من ألمي وبعثتني هنا وهناك علي أحصل على شهادة تمنحني وظيفة تعينني على الدهر, وعندما توفرت الوظيفة الجيدة التي أكسب منها الرزق الحلال, لم تتخلى عني بل قلت لي بقلب رحب (حان الوقت لأراك عريسا يا ولدي الوحيد فهذا حلمي الذي سعيت له تلك السنين, وحلمي أن أرى أولادك يلعبون من حولي ويملأون فراغ البيت يا ولدي).. قدمت تكاليف زواجي بغير تردد أو تقصير, وحين وصلت لهذه النقطة وأصبحت أباً شعرت بك تماماً, أن تكون راعيا لأسرة , أن يكون لك مسؤولية وابن تخاف عليه من نسمات الريح وتتمنى أن يطيعك ويرفع رأسك .. هنا كان لابد أن أبكي وأنتحب على ما فعلت وأخاطب ضميري بالذنب , وأقبل قدمك علك تسامح وتغفر, هنا تمنيت الموت قبل أن أشعر بما عانيته يا أبي , الآن فقط وبعد 30 عاما لتوي شعرت بك وأحسست بمعاناتك, ليتني مت قبل ذلك, أي قلب متحجر حملت في صدري وأي قلب رؤف وحاني يسكن ضلوعك يا أبتاه , أرجوك عاقبني كي أشعر بالارتياح اضربني ازجرني علي أشعر بشيء من الهم يزاح عني فأنا مذنب بحقك حتى النخاع, خذ دموعي بين يديك علها تكفي لغسل ذنوبي , لا أصدق هذا يا أبي بعد كل اعترافاتي تأخذني لصدرك وتربت على ظهري مخففا ما أعانيه , تمسح دموعي وتقول ( لا تدع ابنك يشاهد هذه الدموع فيجب أن يرى الابن والده شامخا كشموخ الجبل ووفقت لكل خير, هون عليك, فلم ولن أحمل عليك في قلبي يا فلذة كبدي إني أحبك), عند هذه الكلمات أعلنت إجلالي لهذا الأب ولكني نادم على ثلاثين عاما مرت لن أغفرها لنفسي ما حييت, وليت أحدا يأخذ من حياتي عبرة وعظة.
الابن الذي ظلم والده..
تأليف أزهار أحمد آل مهنا

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.