التصنيفات
دار تحفيظ القرآن

نزهة المتقين: آيات وتأملات 1 للحفظ

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد المُرسل بالآيات البينات، ليخرج الناس إلى النور من الظُلمات.
وبعد:
فمن أجّل نعم الله على الإنسانية أن تعهد ببقاء القرآن محفوظاً من التغيير، محمياً من جهل التأويل، وتحريف الغالين وانتحال المُبطلين، فيسّر حفظه وتلاوته ودعا إلى تدبره والتفقُه في معانيه وفهم مبانيه، وحثّ على ذلك بقوله في الحديث القدسي: {من شغله كتابي عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطى الشاكرين}وفى رواية (السائلين).
والقرآن مصدر مِعطاء وعطاء سخي {لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد} وأهل القرآن هم أهل الله كما جاء في الحديث الشريف: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: {إنَّ هذا القرآن مأدبة الله في أرضه، فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، وإنَّ هذا القرآن هو حبل الله، فهو نوره المُبين والشفاء النافع، عصمة لمَن تمسّك به ونجاة لمَن اتبعه، لا يعوج فيُقوم ولا يزيغ فيستعتب} صححه الحاكم(الترغيب والترهيب).
فدعونا نطوف في روضة فينانة وحديقة غناء، نقف على دروس وعِبر نستقيها من نبع القرآن تُكسب النفس أُنساً وروحاً.

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة 37


*كان تحريم الأكل من الشجرة اختبارًا للإرادة لأنها من أهم المُقومات التي يحتاجها لأداء وظيفة الخلافة التي من أجلها خُلِق

كان لابد لسيدنا آدم أن يتعرف على معنى الإرادة وأن يتدرب على تقويتها فكان هذا الاختبار وهذه أفضل وسائل التربية: (التربية بالموقف).
وهناك غرائز قد رُكبت في تكوين الإنسان، ولئن كان الشيطان قد استغل غريزتي التملُك وحب الخلود في إغوائه إلا أن غريزة أصيلة أخرى قد ساعدته في العودة إلى الله والإنابة إليه وهى (غريزة التديُن).
ولئن كانت غريزتا التملُك وحب الخلود تُمثلان الاتجاه المادي في تكوينه فإن غريزة التديُن تُمثل أثر الروح في كيانه وهى لا شك أقوي وأدوم.
هذه الغريزة هي التي تدفع الإنسان للتوبة إذا ما أخطأ، لهذا فإن الإنسان-أي إنسان-مهما بلغ بُعده عن ربه وإعراضه عن صراطه المُستقيم فإن استعداده الفطري للعودة إلى الله يجعل إمكانية هدايته دوماً موجودة.
ولا يوجد دليل على هذا أقوي من إسلام عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-بعد عداوته الشديدة للمُسلمين وفى نفس اليوم الذي بلغت فيه العداوة ذروتها حينما قرر قتل النبي-صلى الله عليه وسلم-.
*جوهر الإسلام الطاعة المُطلقة لله
امتثالاً لأوامر الله وبلا مُناقشة ولا تعلُق الاستجابة له على معرفة حكمة هذا الأمر {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا} الأحزاب 36
*كيف تقع المعصية؟؟
يختار الشيطان نقطة الضعف في الكيان البشرى بأن يأتي من قِبَل الغرائز فيُشعلها ويُلح عليه وُيخفى عنه عواقبها.
والإنسان بما رُكب فيه من الغرائز عنده قابلية كبيرة للمعصية واستعداد كبير للغواية إذا لم يعتصم بربه ويُحسن التوكُل عليه ويُكثر من ذِكره ويلتزم بشريعته {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} طه 123
هذه كلها إجراءات وقائية ليس هدف الإسلام منها أن يكون المُسلم بلا معصية فهذا مستحيل، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {كل بني آدم خطّاء وخيرُ الخطائين التوابون} حديث حسن رواه الترمذي عن أنس وأخرجه ابن ماجة والدارمى وأحمد
بل إن المُتقين لا يُفترض أن يكونوا بلا معصية وقد أورد الله تعالى في كتابه الكريم من صفات المُتقين {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران 135
إن هدف الإسلام أن تكون الطاعة لله هي الأصل في حياة المسلم فإذا وقع في المعصية عاد سريعاً إلى ربه بالتوبة.

*أثر المعصية

للمعصية آثار في النفس وفى زوال النِعم {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}، مما كانا فيه من سكينة نفس وراحة بال ومما كانا فيه من نِعم الله الحسية أيضاً.
وكثير من الناس يظنون أن المعاصي ليس لها أثر على سير حياتهم هي فقط سيئات تُكتب في الموازين لا تتأثر بها الحياة
يقول ابن عباس: (إن للمعصية سواداً في الوجه وظُلمة في العقب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبُغضاً في قلوب الخلق).
الذنوب أشد ضرراً على الإنسان من السموم لأن السموم تُمرض البدن فقط أو تُميته والموت نهاية كل حي أما الذنوب والمعاصي فإنها تُمرض القلب أو تُقسيه وتمحق نوره وتُفقده حساسيته وقدرته على رؤية الحق، قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} المطففين 14
كل معصية تُكوّن نَكْتَة سوداء حتى يتكون ران كثيف من تراكُم المعاصي فيُغطى القلب فيحجب النور عنه حتى يعمى القلب فيموت.

*لا أحد أحب للعذر إليه من الله

يقول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا*يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} النساء26-28
حتى بعد أن يقع الإنسان في المعصية تبقى أمامه فرصة لمحوها بالتوبة ليعود للقلب صفاؤه..ربه مُقبل عليه يحثه على الإسراع فالمغفرة مضمونة {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران 133

*تعجيل التوبة… لماذا؟؟

إذا اشتبك ثوبك في مسمار وجب عليك أن ترجع إلى الخلف لتُخلصه كما قال ابن الجوزى أما إذا تُرك الذنب بلا توبة فإنه يتمكن في القلب حتى يُحبه فلا يتركه أبداً وتُصبح المعصية عادة يعتادها وهذا يُضعف القلب فيجترئ على ارتكاب ذنوب أُخرى، فالذنب يُسهل الذنب التالي وهكذا.
وأفضل مثال على هذا قصة قاتل المائة.

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ*إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ*وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} البقرة 165-167

*المحبة نوعان:


1-محمودة:

تجلب لصاحبها السعادة في الدنيا والآخرة وهى كل محبة أصلها محبة الله وإرادة وجهه.

2-مذمومة:

هي كل محبة لا يكون أصلها محبة الله وإرادة وجهه.
*هل يحدث أن تُحب النفس ما يضرها ؟ وما الضابط في ذلك؟
قد يحدث هذا إذا كان الإنسان يجهل ضرر هذا الشيء ويُقوى هذه المحبة تعلُق القلب به واعتياده عليه، لهذا كان العلم هو العاصم من هذا المُنزلق الخطير فالنفس إن لم تتبع العلم قادها إبليس إلى حطام الهوى.
فمحبة الله هي التي من أجلها خلق العباد وفيها سعادتهم أما محبة البشر للبشر لغير وجه الله فتحدث عندما يكون حُب الله في القلب ضعيفاً فهذا يُغرى الشيطان بالتسلُط وتزيين هذه المحبة المذمومة حتى تستوعب طاقة الحب كاملة فتُنحِى العقل جانباً، لهذا فقد يُطيع من وقع في هذا المرض محبوبه أكثر من طاعته لله فيُصبح محبوبه في قلبه لله نِداً.
وهنا تأتى أهمية تمكين حُب الله عز وجل في القلوب.

*الأسباب الجالبة لمحبة الله عز وجل:


1-التقرُب إلى الله بالنوافل

ففي الحديث القدسي: {ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أُحبه} البخاري

2-دوام ذِكر الله على كل حال باللسان والقلب والعمل

فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذِكر فالذِكر باب المحبة.

3-إيثار مَحاب الله عز وجل على مَحاب النفس عند غَلَبة الهوى

4-مُشاهدة بِر الله عز وجل وإحسانه

قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {أحِبوا الله لِما يغذوكم به من نعمة وأحِبوني لحُب الله} حديث حسن (البخاري)
فالتفكير في آيات الله في الكون وتدبُر آيات القرآن العظيم لمعرفة صفاته من أفعاله من جلال وكمال ورحمة.

5-الخُلوة بالله عز وجل وقت النزول الإلهي

بمُناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدُب بأدب العبودية بين يديّه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

6-إذا أردتَ المحبة فادخل عليه سبحانه من أحد هذه الأبواب:

-التقوى: فإن الله يُحب المُتقين
-الإحسان: فإن الله يُحب المُحسنين
-الصبر: فإن الله يُحب الصابرين
-التوبة: فإن الله يُحب التوابين ويُحب المُتطهرين
-التوكل: فإن الله يُحب المُتوكلين
-الجهاد: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} الصف 4

*أثر محبة الله في القلوب:

إذا تمكن حب الله من القلوب زاد إقبال القلب على الأسباب التي تُقربه من الله.
فلننظر إلى تسابُق الشهداء في احتفالية الشهادة، ولنتأمل لهفة أنس بن النضر (واهاً لريح الجنة).
ولننظر إلى هذا الرجل الذي يحمل جنته في صدره..يقول الإمام ابن تيمية: (ماذا يفعلون بى وجنتي في صدري؟؟ إن حبسي خُلوة ونفيي سياحة وقتلى شهادة).

*فما مصير من فرّط في هذه المحبة؟؟

{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة 24

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ*وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ*وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ*وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} البقرة 246-251

*دروس وعِبر:


1-عدم الانخداع بثورة العواطف

إذ كيف ُيجاهد الأعداء من فشل في جهاد نفسه وامتلأ قلبه بحب الدنيا.
يقول سيد قطب-رحمه الله-: (إنَّ أشد الناس حماسةً واندفاعاً وتهوُراً قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمةً عندما يَجِد الجَد وتقع الواقعة بل إن هذه قد تكون القاعدة، ذلك أن الاندفاع والتهوُر لا يعنى دائماً الشجاعة لكن هذا الموقف قد يكون مُنبعِثاً من قِلة الاحتمال والصبر حتى إذا وُوجهوا بالمعركة ووجدوها أشد مما تصوروا كانوا أول الصف نكولاً وانهياراً).
وهذه القاعدة لها شواهد كثيرة في الحياة وينبغي لكل من تصدى لمهمة الإصلاح أن يفهمها جيداً.

2-مكانة الوطن

القرآن الكريم وضَّح في كثير من المواضِع مكانة الوطن بالنسبة للإنسان فليس هناك بلاء أشد على النفس من الإخراج من الوطن
لقد ساوى القرآن بين الخُروج من الوطن ومُفارقة الحياة في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} النساء 66

وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ*ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة 84-85

وفى قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الممتحنة8-9

لهذا فإن من أشد ألوان الظُلم إخراج الناس من أوطانهم وهذا دأب الظالمين {لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} إبراهيم 13

وهذا يجعلنا نفهم حجم ما يُعانى منه إخواننا الذين أُخرجوا من ديارهم في فلسطين أو من أُخرجوا من ديارهم إلى سجون الظالمين.

3-الاستكانة ظُلم أيضاً

القرآن وصف هؤلاء المُستضعفين بأنهم ظالمون {تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.
فالظُلم عملية لابد لها من طرفين: ظالم مُخاصم للحق ومظلوم يكلؤه الله بعنايته ويستجيب دعاءه طالما أنه يبذل وسعه في مُقاومة هذا الظُلم، أما إذا رضي بهذا الظُلم فإنه يُصبح ظالماً أيضاً.
يُصوِر القرآن هذا المعنى فيقول: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} سبأ 31
لقد وصف القرآن كُلاً من المُستضعفين والمُستكبرين بأنهم ظالمون، فلماذا وصف المُستضعفين هذا الوصف؟؟
أولاً: لأنهم ظلموا أنفسهم بإتباعهم سبيل المُجرمين.
ثانياً: لأنهم ظلموا الحق الذي يدَّعون اعتناقه بتقديم صورة مُشوَهة له.
ثالثاً: لأنهم زيَّنوا للطُغاة أعمالهم بطاعتهم لهم ولم يردعوهم.

4-من الأمانة وضع الرجل المُناسب في المكان المُناسب

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}
فالقائد لا يُشتَرَط أن يكون أكثر الناس مالاً أو أعرقهم نسباً وحسباً لكن يُشَتَرط لوظيفته أن يكون صاحب علم بفنون القتال وطبائع الناس وأيضاً أن يكون قوى الجسم قادراً على مُجالَدة الأبطال.
وقد استخدم طالوت علمه في تنقية الصف من الجُبناء والمُثبطين فكان امتحان النهر لاختيار الصابرين الطائعين فعلى هؤلاء ينزل النصر.

5-{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}

القاعدة في معارك الإسلام الظافرة أن المُسلمين ينتصرون مع قِلة عددهم على أعدائهم فالعِبرة ليست بالعَدد والعتاد وإن كان المُسلمين مُطالبون بإعداد العُدة {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} الأنفال60
وغزوة بدر خير شاهد على ذلك، بينما كان يوم حنين درساً في أن النصر ليس بالعدد {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} التوبة 25

6-استكمال النقص بالدعاء

{وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} البقرة 250

7-الوقوف في وجه الباطل باب للخيرات

{وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء}
ثلاث مِنح لداود بالإضافة إلى النصر مُكافأة له على التصدي لجالوت.
ثم منحة أخرى للأُمة التي يقوم فيها من يتصدى للباطل ليمنع انتشار الفساد فيها فهؤلاء مصدر خير لأُمتهم وصِمام أمان للمُجتمع {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ}
هؤلاء هدية الله للمُجتمع المُسلم {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} فينبغي للمُجتمع أن يُحسِن استقبال مِنح الله له بالإحسان إلى الدُعاة وإنزالهم منازلهم.

*{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة 261

المال الذي يُنفقه المُتصدقون هو مال الله كما أن الزرع هو هبة من الله لا يملك الإنسان فيها شيئاً حيث اشترك في إيجاد حبة القمح الشمس والأرض والهواء والماء.
والله واسع عليم ولا يضيق عطاؤه بل يُضاعف الأجر للمُعطى ويُبارك له وهو عليم بنية العبد في إنفاقه ولا يُعطى هذا العطاء إلا لمن أنفق ماله طلباً لفضل الله ورضوانه.
يقول ابن القيم: (والله يُضاعف لمَن يشاء فوق ذلك بحسب حال المُنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها وموقعها، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإخلاص وانشراح الصدر بالإخراج من غير جزع ولا هلع).
وحاجة المُتصدق للصدقة أعظم من حاجة الآخِذ لها، قال تعالى: {وَأَنفِقُوا خَيْرًا لّأَنفُسِكُمْ} التغابن 16

*ما هي السنابل؟؟؟


1-تزكية نفسه

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} التوبة 103
فالنفس جُبلت على حب المال والحرص على جمعه وكلما جمع من المال زاد حبه لجمعه فلا تنقضي هذه الشهوة بل هي كالنار كلما زاد وقودها زادت اشتعالاً ولهذا كان الشُح من أعظم آفات النفس لأنه يربطها بحب الدنيا ولا يوجد ما يحفظ النفس من هذا المرض الخطير إلا الإنفاق.
والشُح هو العقبة الكبيرة التي لابد للإنسان من عبورها في طريقه إلى الجنة {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ*أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ*يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ*أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} البلد 11-16
هكذا قررت الآيات أن الإنفاق بأبوابه المُختلفة هو الخطة الناجحة لاقتحام هذه العقبة.
بل إن منزلة البِر التي هي من أعلي المنازل في السير إلى الله والتي تَهدِى إلى الجنة لا يتوصل إليها إلا بالإنفاق {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران 92

ومن أراد وجه الله فليُنفق {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الروم 38

ومن أراد رحمة الله فليُنفق {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}التوبة 99

2-بركة في المال وسِعة في الرزق

قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفقاً خَلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسكاً تلفاً} مُتفق عليه (اللؤلؤ والمرجان)
والصدقة تُطهر المال، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:
{ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب فشوبوه بالصدقة}حسَّنه الألباني.

3-دفع البلاء

عن أبى أمامة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {داووا مرضاكم بالصدقة} حسَّنه الألبانى في صحيح الجامع الصغير.

وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تُطفئ غضب الرب وصِلة الرحم تزيد في العمر} حسن رواه الطبراني.

4-تيسير الأمور

{فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} الليل 5-7
والمُتصدق كلما تصدَّق بصدقة انشرح لها قلبه واتسع بها صدره بل إن أبا سليمان الدارانى يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول: (الصدقة ثقة في الله تعالى) لهذا قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {الصدقة برهان}.
ومَن وثق بالله في رزقه زاد في حُسن خلقه وأعقبه الحُلم وسخت نفسه في نفقته وقلَّت في الصلاة وساوسه.

5-ظِل لصاحبها يوم القيامة

عن أبى هريرة قال: رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {سبعة يُظلهم الله في ظِله يوم لا ظِل إلا ظِله} وذكر منهم {رجلاً تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفِق يمينه} مُتفق عليه (اللؤلؤ والمرجان).
قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {كل امرئ في ظِل صدقته حتى يُقضَى بين الناس} رواه احمد ورواته ثِقات.

6-حِجاب من النار

قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: {اتقوا النار ولو بشِق تمرة} مُتفق عليه.

7-سنبلة الحسنات المُدخَرة تُثقِل الميزان

الصدقة الجارية من أبواب الحسنات التي يستمر خيرها إلى يوم القيامة.
وصدقة بإخلاص تُغير السلوك وتُسبِب الهداية فتُوضَع في ميزان العبد مُتنامِية إلى يوم القيامة.
وكان على بن الحسن إذا أتاه سائل رحب به وقال: مرحباً بمَن يحمل زادي إلى الآخرة.
*أيها الزارع أحسِن اختيار التَقَاوِي

مُواصفات الصدقة الطيبة:


1-إخراجها من حلال

{أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} البقرة 267

2-أن تكون مما تُحب من مالك

كان الربيع بن خيثم إذا جاءه السائل قال: أطعموه السكر فإنَّ الربيع يُحب السكر.

3-أن يبحث في أقاربه أولاً

سُئِل النبي-صلى الله عليه وسلم-: ما أفضل الصدقة؟ فقال: {أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح} أي الذي لا يألفك
وقال-صلى الله عليه وسلم-: {الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصِلة} إسناده صحيح رواه أبو داود والترمذي.

4-إعطاؤها من جُهد المُقِل

أي من مال قليل لأن الثقة في الله أعلى في هذه الحال.

5-تعجيلها مَخَافة الفَوْت

وأن تكون في سبيل الله وبنفس طيبة.

6-إعطاؤها في السر مَخَافة الرِياء

كما أن هذه الطريقة تحفظ الآخِذ من الُذل والانكسار.

7- أن يتجنب المَنّ والأذى

{لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى}
فإن هذا يقتل النبات ولا يُظهِر السنابل.

والآن لنتساءل:

– أُتِىَ إلى عمر بن الخطاب ب 22 ألف درهم فلم يقُم من مجلسه حتى فرقها….تُرى لو كان هذا المال في يدكِ كم كُنتِ ستُخرجين منه ؟؟؟
– هل تعلمين عن الفقراء والأيتام في عائلتكِ وفى جيرانكِ وتصلينهم بنفقتك ؟؟؟
– هل عندكِ ملابس لا تستخدمينها ؟؟؟ هل تعرفين فضل من كسي مُسلماً ثوباً ؟؟؟؟


{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} البقرة 260

*دروس وعِبر:

1-الدعاء باب للترقِّي في اليقين

أراد عليه السلام أن يترقَّى من علم اليقين إلى عَيْن اليقين فدعا ربه {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} فالنفوس تشتاق للمُعاينة.
وهذا الباب (باب الدعاء للترقِّي في منازل اليقين والطمأنينة) اهتم به السلف فكان من دعائهم (اللهم هَب لي نفساً مُطمئنة إليك).

2-أبواب أخرى للترقِّي في اليقين والطمأنينة:

-الذِكر:
ومنه قراءة القرآن (الذين آمنوا وتطمئنُ قلوبهم بذِكرِ اللهِ ألا بذِكرِ اللهِ تطمئنُ القلوب).
-الدعوة:
قيام العبد مقام الدعوة إلى الله ومُجاهدة أعداء الله وقُطاع الطريق إليه فإن ما يحمله ويتحمله فوق ما يحمله الناس ويتحملونه وقد يضعُف صبره ويُدركه الضجر فيُدركه الله بإحسانه فيُنزِّل السكينة عليه {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} الفتح 18
ج-البلاء:
كما أن مُجاهدة أعداء الله قد يَنشَأ عنها ابتلاء المُؤمنين بألوان البلاء من سجن وتعذيب أو تضييق ولا ريب أن المُبتلَى إذا قويت مُشاهدته للمثوبة سكن قلبه واطمأن بمُشاهدة العِوض وقد تقوى مُلاحظة العِوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمة.

3-لابد من الجهد والمشقة لبلوغ الآمال

لماذا يتكبد إبراهيم-عليه السلام-كل هذه المشقة في صعود أربعة جبال ليُوزع الطير المذبوح ؟؟؟؟
هكذا يُربى الله عز وجل أولياءه من التعب لتعليم مَن أراد أن يتعلم وهذا ما حدث لموسى-عليه السلام-حينما أراد أن يتعلم من الخضر فسار مسافة طويلة.
فليعلم هذه الحقيقة كل مَن أراد أن يصل لنفس مُطمئنة.

4-{وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

منهج تعليمي أيضاً.
فالله عزيز أي غالب لا يمتنع منه شيء فالسائر إلى الله يُوقِن بنصر الله لأهل الحق وإن تخلَّى عنهم أهل الأرض جميعاً وإن حاربوهم فإن الله معهم وهو حسبهم وكافيهم ووليهم.
والله حكيم فمع قدرته على نصرة الحق وتدمير الباطل وأهله إلا أن نصره وتوفيقه يأتي في الموقع المُناسب وفى الوقت المُناسب وليس بأماني الناس.
إن درس التعرُف على أسماء الله الحسنى وصِفاته العُلا من خلال القصة هو أهم الدروس على الإطلاق لأنه يُفضى إلى أشرف المعارف وهذا يُوضِح منهجاً للمُسلم في التعامُل ليس فقط مع قَصص القرآن ولكن أيضاً مع أحداث الحياة: إنه التعرُف على الله من آياته وأفعاله.
مما يُوضِح أن معرفة الأسماء والصفات لها أثر في العقيدة وأيضاً في السلوك.

وإلى لقاء آخر مع آيات بينات من كتاب الله تعالى نفعني الله به وإياكن حبيباتي

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.